في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2025 نقلت وكالة رويترز عن المنظّمة العالمية لصحّة الحيوان (WOAH)، استنادًا إلى تقرير من السلطات العراقية، خبر بؤرة لأنفلونزا الطيور عالية الإمراضية من النمط H5N1 في بلدة بعشيقة بمحافظة نينوى شمالي العراق، قتلت نحو 12,000 طائر. وفي الشهر نفسه أعلنت إيران المجاورة بؤرة من النمط ذاته. لم يكن التوقيت مصادفة: فالخريف موسم هجرة الطيور البرّية، والطيور البرّية المهاجرة، ولا سيّما الطيور المائية كالبطّ والإوزّ البرّي، هي المستودع الطبيعي لفيروسات أنفلونزا الطيور بحسب WOAH.
وتُظهر تقارير WOAH أنّ الموسم الوبائي الماضي بدأ في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وبلغ ذروته في تشرين الثاني/نوفمبر، وهذا يتّفق مع الطابع الموسمي المعروف للمرض في نصف الكرة الشمالي. ومن بداية ذلك الموسم حتّى نهاية آب/أغسطس 2026 سُجّلت 1,619 بؤرة في الدواجن في 46 دولة وإقليمًا، مقابل 1,431 بؤرة في الموسم الذي سبقه، و7,444 بؤرة في الطيور البرّية مقابل 1,926. معنى ذلك أنّ الفيروس انتشر في الطيور البرّية في الموسم الماضي أكثر بكثير ممّا انتشر في المواسم السابقة، وأنّ موسمًا جديدًا يبدأ الآن.
متى تشكّ في أنفلونزا الطيور
تميّز WOAH بين شكلين للمرض: شكل منخفض الإمراضية لا يسبّب في العادة أعراضًا تُذكر، وشكل عالي الإمراضية يسبّب أعراضًا شديدة وقد يرافقه نفوق مرتفع، يقارب نصف القطيع في كثير من الأحيان. ويذكر دليل منظّمة الأغذية والزراعة (FAO) لمربّي الدواجن الصغار أنّ النفوق يتراوح بين 50% و100%، وأنّ الأعراض تظهر عادةً بعد 2 إلى 5 أيام من دخول الفيروس. يظهر المرض فجأة، ويموت كثير من الطيور، أحيانًا دون أيّ عرض سابق. ومن العلامات التي يذكرها الدليل:
- خمول وقلّة أكل وانتفاش الريش وحمّى، وضعف وترنّح في المشي.
- طيور تجلس أو تقف كأنّها نائمة ورؤوسها تلامس الأرض، وأعراض عصبية خاصّةً في الطيور الصغيرة.
- عُرف ودلايات متورّمة بلون أحمر داكن إلى أزرق، وقد تظهر على أطرافها نقاط نزفية.
- بيض رخو القشرة في البداية، ثمّ توقّف الدجاج البيّاض عن الإنتاج.
- إسهال مائي غزير مع عطش شديد، وتنفّس سريع ومجهَد، ونزف تحت الجلد غير المكسوّ بالريش، خاصّةً على الساقين.
ما «النفوق المشتبه»؟
يعرّفه دليل FAO للقطعان الصغيرة بأنّه موت مفاجئ لطيور كانت سليمة خلال أقلّ من 24 ساعة، مع نفوق يومي يزيد على 5% من القطيع لعدّة أيام. ويحذّر الدليل من أنّ أمراضًا أخرى قد تشبه أنفلونزا الطيور، منها داء نيوكاسل الضاري وطاعون البطّ والتسمّمات الحادّة والكوليرا الحادّة في الدجاج، ولا يحسم التشخيص إلّا المختبر. لذلك تعامل مع النفوق المشتبه كأنّه أنفلونزا طيور حتّى يثبت العكس. وتذكّر أنّ البطّ قد يحمل الفيروس ويطرحه دون أن تظهر عليه أيّ أعراض.
المضاد الحيوي لا يوقف فيروسًا
يقول دليل FAO بوضوح: لا يوجد علاج لأنفلونزا الطيور. والمضادات الحيوية تقتل البكتيريا لا الفيروسات، فإضافتها إلى ماء الشرب عند ارتفاع النفوق لا توقف المرض، بل تؤخّر الاتّصال بالطبيب البيطري أيّامًا ينتشر فيها الفيروس إلى العنابر المجاورة والمزارع القريبة. ويضيف الدليل قاعدة عملية مهمّة: اشتبه بأنفلونزا الطيور في كل تفشٍّ يستمرّ رغم تطبيق إجراءات الوقاية والعلاج المعتادة للأمراض الأخرى. أمّا التحصين فتقول WOAH إنّه قد يُوصى به في ظروف محدّدة، لكنّه وحده ليس حلًّا مستدامًا، ويؤكّد دليل FAO أنّ قرار استعمال اللقاح تتّخذه الخدمات البيطرية المركزية في كل بلد.
الأمان الحيوي: أبعِد الفيروس قبل أن يصل
تقول WOAH إنّ الفيروس يخرج مع زرق الطيور وإفرازاتها التنفّسية، وينتقل خاصّةً عبر الزرق والعلف والماء الملوّثين، ويُحمل على الأحذية والمركبات والمعدّات من مزرعة إلى أخرى. ومن هنا تأتي الإجراءات التالية، وهي تصلح للمزرعة التجارية ولدجاج البيت معًا:
- افصل طيورك عن الطيور البرّية وزرقها: شباك أو أسوار أو حواجز بحسب توصيات FAO. وفي القطعان المنزلية يقترح دليل FAO مبيتًا مغلقًا في الليل وحظيرة مسوّرة في النهار، ولا تترك البطّ يسرح في البرك والحقول التي تنزل فيها الطيور البرّية.
- احمِ العلف والماء: بما أنّ العلف والماء الملوّثين طريق لانتقال الفيروس، فقدّم العلف والماء النظيف لطيورك بنفسك بدل تركها تسرح بحثًا عن غذائها، كما يوصي دليل FAO، وأبعدها عن البرك التي قد يسقط فيها زرق الطيور البرّية.
- تحكّم في الدخول: توصي WOAH بضبط صارم لدخول المركبات والأشخاص والمعدّات. أبقِ الزوّار بعيدًا عن أماكن الطيور، واترك سيّاراتهم ودرّاجاتهم عند البوّابة، ولا تسمح لتجّار الطيور الحيّة بدخول المزرعة.
- الأحذية والملابس: بدّل ملابسك عند عودتك من الخارج، خاصّةً من مزرعة أخرى، واغسل الأحذية وافركها وطهّرها عند البوّابة، أو خصّص للمزرعة أحذية لا تخرج منها، كما يوصي دليل FAO.
- المعدّات: نظّف المعدّات والعنابر وطهّرها، ولا تُعِر معدّاتك ولا أقفاص البيض لغيرك ولا تستعِر منهم.
- الطيور الجديدة: تحذّر WOAH من إدخال طيور مجهولة الحالة الصحّية. ويوصي دليل FAO بعزل أيّ طيور مشتراة أسبوعين على الأقلّ بعيدًا عن القطيع، وإذا أُعلنت بؤر في منطقتك فلا تُدخل طيورًا جديدة أصلًا. ولا تُرجع إلى القطيع طيورًا أخذتها إلى السوق ولم تُبَع، وإن اضطررت فاعزلها.
- إن كنت تصطاد الطيور المائية: تنبّه FAO إلى أنّها قد تحمل الفيروس، فلا تقترب من دواجنك بملابس الصيد وأحذيته ومركبته، ولا تُطعم بقايا الطيور البرّية للدواجن أو الحيوانات الأليفة.
لا تطارد الطيور البرّية
بحسب FAO، لا يفيد قتل الطيور البرّية أو تدمير أماكن عيشها في مكافحة الفيروس، ورشّ الطيور أو البيئة بالمطهّرات مثل الكلور قد يأتي بنتيجة عكسية ويضرّ بالبيئة. الحماية الحقيقية هي الحاجز بين طيورك والطيور البرّية.
عند الاشتباه: الساعات الأولى تصنع الفرق
يقول دليل FAO إنّ على المربّي والطبيب البيطري أن يتحرّكا قبل وصول نتائج المختبر، لأنّ الانتظار يجعل الوضع خارج السيطرة. وهذه الخطوات:
- أبلغ فورًا: اتّصل بالطبيب البيطري وبالخدمات البيطرية الرسمية في منطقتك. توصي WOAH بالإبلاغ عن كل حالة مشتبهة، حيّة كانت أو نافقة.
- لا تبِع ولا تُهدِ ولا تنقل: لا طيورًا ولا بيضًا ولا زرقًا، حتّى لو بدت الطيور سليمة، كما يشدّد دليل FAO. فالبيع على عجل لتقليل الخسارة ينقل الفيروس إلى قطعان الآخرين وإلى الناس.
- لا تأكل الطيور المريضة أو النافقة، ولا تُعطها لأحد.
- ضع الطيور النافقة في أكياس فورًا، ولا ترمِها في نهر أو ساقية أو حقل. واترك طريقة التخلّص منها للخدمات البيطرية التي قد تأخذ منها عيّنات.
- اعزل الطيور المريضة في مكان مغلق لا تختلط فيه بغيرها، وأوقف الزيارات، ولا تزر مزارع أخرى.
- سجّل ما يحدث: تاريخ بدء النفوق، وعدد النافق يوميًّا، والأعراض، ومصدر آخر طيور أدخلتها. هذه المعلومات تساعد الطبيب البيطري في تتبّع مصدر العدوى.
قد يتردّد المربّي في الإبلاغ خوفًا من الإعدام الصحّي، وهو بالفعل الإجراء المتّبع عادةً مع الطيور المصابة والمخالطة بحسب WOAH. لكنّ دليل FAO يذكّر بأنّ الإبلاغ المبكّر يحمي أسرتك من العدوى، ويُسرّع عودتك إلى التربية، ويحمي مزارع جيرانك، وقد يُتيح في بعض الدول تعويضًا من الدولة عن الخسائر. أمّا الإخفاء فيُطيل التفشّي ويوسّعه.
احمِ نفسك وأسرتك
تقول WOAH إنّ انتقال أنفلونزا الطيور من الطيور إلى الإنسان متفرّق ويحدث في ظروف محدّدة، وأكثر الناس عرضة له من يخالطون الطيور المصابة أو البيئات شديدة التلوّث مخالطة لصيقة ومتكرّرة. وتضيف أنّه لا دليل على أنّ تناول لحم الدواجن أو البيض ينقل الفيروس إلى الإنسان، وتنصح FAO بأكل اللحم المطهوّ جيّدًا فقط، وبألّا تؤكل أبدًا طيور وُجدت مريضة أو نافقة. وإذا اضطررت إلى التعامل مع طيور مريضة أو نافقة، فإنّ المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) توصي بمعدّات الحماية الشخصية التالية:
- نظّارات واقية محكمة على العينين، وقفّازات تُستعمل مرّة واحدة.
- كمّامة N95 إن توفّرت، وإلّا فكمّامة جراحية محكمة على الوجه.
- حذاء مطّاطي يمكن تطهيره أو أغطية للأحذية، وبدلة تُستعمل مرّة واحدة لا تنفذ منها السوائل، وغطاء للرأس.
- لا تأكل ولا تشرب ولا تدخّن وأنت ترتديها، ولا تلمس عينيك أو فمك أو أنفك، ولا تدخل البيت بمعدّات الحماية المستعملة، واغسل يديك بالماء والصابون بعد خلعها، ثمّ استحمّ فورًا.
وفي المزارع التي لم تُصب يوصي دليل FAO بأن يتولّى رعاية الطيور شخص بالغ واحد بصحّة جيّدة، وأن تتجنّب الحوامل والأطفال الصغار ملامستها.
بعد المخالطة: راقب صحّتك
توصي CDC بمراقبة الأعراض مدّة 10 أيام بعد آخر مخالطة لطيور قد تكون مصابة أو لموادّ ملوّثة. وإذا أصابتك أنت أو أحد أفراد أسرتك ممّن خالطوا الطيور حمّى أو أعراض تنفّسية، فاذهب إلى أقرب مركز صحّي في أسرع وقت، وأخبر الطبيب أنّك كنت تتعامل مع دواجن، كما ينصح دليل FAO.
ليس كل نفوق أو عَرَض تنفّسي في الدواجن فيروسًا، ولا كل حالة تحتاج مضادًا حيويًّا. تعرّف إلى كيفية التمييز بين الأسباب قبل فتح عبوة الدواء.
اقرأ: شخّص قبل أن تعالج