لقّحتَ أبقارك في الربيع، ثمّ ظهر عليها في الخريف سيلان اللعاب والعرج وبثور على اللسان والأظلاف. أوّل ما يخطر في البال أنّ اللقاح «مغشوش» أو فاسد. قد يكون ذلك صحيحًا أحيانًا، لكنّ في منطقتنا اليوم تفسيرًا آخر صار واردًا جدًّا، وهو أبسط وأخطر: الفيروس الذي أصاب القطيع من نمط لم يكن في اللقاح أصلًا.
سبعة أنماط، ولكلّ نمط لقاحه
تقول المنظّمة العالمية لصحّة الحيوان (WOAH) إنّ فيروس الحمّى القلاعية سبعة أنماط مصلية (Serotypes) هي: A وO وC وSAT1 وSAT2 وSAT3 وAsia1، وإنّ كلّ نمط يحتاج لقاحًا خاصًّا به ليمنح الحيوان المُلقَّح مناعة. وتوضّح وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية البريطانية (Defra) أنّ المناعة الناتجة عن الإصابة أو عن التلقيح خاصّة بالنمط، ولا تحمي من الأنماط الأخرى. أي أنّ بقرة محصّنة جيّدًا ضدّ النمط O تبقى مكشوفة تمامًا أمام النمط SAT1.
ولا يكفي أن يتطابق النمط وحده. فبحسب المنظّمة العالمية لصحّة الحيوان يجب أن تكون السلالة أو السلالات التي في اللقاح مطابقةً مستضدّيًّا للسلالات المنتشرة في الحقل، ويذكر مركز الأمن الغذائي والصحّة العامّة في جامعة ولاية آيوا (CFSPH) أنّ الحماية من السلالات الأخرى داخل النمط نفسه تتفاوت بحسب درجة تشابهها. لذلك قد «يفشل» لقاح جيّد لأنّه صُنع لسلالة غير السلالة التي وصلت.
ما الجديد في منطقتنا؟
بحسب Defra، كانت الأنماط المنتشرة في الشرق الأدنى وغرب أوراسيا هي O وA وAsia1 أساسًا، ثمّ دخل النمط SAT2 بين 2022 و2023 فأصاب البحرين والأردن والعراق وعُمان وتركيا بفيروسات مصدرها شرق أفريقيا. أمّا النمط SAT1 فلم يُسجَّل له انتشار واسع في المنطقة منذ عام 1962، حين ظهر في بلدان منها سوريا والعراق والأردن ولبنان وتركيا. معنى ذلك أنّ معظم قطعاننا الحالية لم تلتقِ بهذا النمط من قبل، فلا مناعة لديها ضدّه.
ثمّ تغيّر المشهد سريعًا. فبحسب مقال للمنظّمة العالمية لصحّة الحيوان في آب/أغسطس 2026، أبلغ كلٌّ من العراق والكويت ومصر وأذربيجان عن النمط SAT1 بوصفه «ظهورًا أوّل» لديه عام 2025، ثمّ أبلغ عنه للمرّة الأولى عام 2026 كلٌّ من إسرائيل وقبرص وفلسطين والصين ومنغوليا، وعاد الإبلاغ عنه بعد ستّين عامًا في تركيا ولبنان واليونان بين 2025 و2026. وكانت منظّمة الأغذية والزراعة (FAO) قد نبّهت في أيار/مايو 2025 إلى أنّ هذا النمط غريب عن الشرق الأدنى وغرب أوراسيا، ونقل تقييم Defra عنها أنّه إلى أن تُحصَّن القطعان بلقاح SAT1 مناسب، فإنّ الأمان الحيوي السريع والفعّال هو وحده ما يحدّ من انتشاره.
السؤال الذي تطرحه على الطبيب
لا تسأل «هل لقّحتُ ضدّ الحمّى القلاعية؟» بل «ضدّ أيّ الأنماط لقّحتُ؟». اقرأ نشرة اللقاح، واسأل الخدمات البيطرية الرسمية عن النمط المنتشر في منطقتك الآن، وهل يغطّيه اللقاح المتوفّر.
كيف تعرفها في القطيع؟
تصيب الحمّى القلاعية الأبقار والجواميس والأغنام والماعز والخنازير وسائر الحيوانات مشقوقة الظلف. تمتدّ فترة الحضانة، أي المدّة بين العدوى وظهور الأعراض، من يومين إلى 14 يومًا بحسب المنظّمة العالمية لصحّة الحيوان، التي تصف العلامات التالية:
- بثور (حويصلات) على الأنف واللسان والشفتين وداخل الفم، وبين الأظلاف وفوق الحوافر، وعلى الحلمات.
- حمّى وخمول وسيلان غزير للّعاب وفقدان الشهية ونقص الوزن.
- عرج شديد ورفض للحركة أو الأكل بعد انفجار البثور.
- هبوط في إنتاج الحليب، وتذكر المنظّمة أنّ الحيوانات المصابة إصابة مزمنة يقلّ إنتاجها الإجمالي بنحو 80%.
المرض نادرًا ما يقتل الحيوانات البالغة، إذ تبلغ النفوق فيها عمومًا 1 إلى 5%، لكنّه أشدّ على العجول والحملان والخنانيص (صغار الخنازير)، وقد يبلغ النفوق فيها 20% أو أكثر بحسب المنظّمة العالمية لصحّة الحيوان. وتنبّه المنظّمة إلى أنّ الحيوان قد يموت قبل أن تظهر عليه أيّ بثرة بسبب التهاب عضلة القلب (Myocarditis).
في الأغنام والماعز قد لا ترى البثور
بحسب CFSPH يكون المرض في الأغنام والماعز خفيفًا غالبًا، وقد تقتصر العلامات على الحمّى وعرج في رِجل أو أكثر، وقد تفوتك آفات القوائم، أمّا آفات الفم فتظهر غالبًا تقرّحات سطحية. وقد تُجهض النعاج أو تلد حملانًا ميتة. فلا تنتظر البثور الواضحة في القطيع الصغير: العرج المفاجئ في عدّة رؤوس معًا سبب كافٍ للاتّصال بالطبيب البيطري.
والأهمّ لفهم سرعة الانتشار: الفيروس موجود في جميع إفرازات الحيوان المصاب ومفرغاته، ويخرج بكمّيات كبيرة مع النَّفَس، وقد يكون في الحليب والسائل المنوي حتّى 4 أيّام قبل ظهور الأعراض. وبعض الحيوانات التي شُفيت قد تبقى حاملة للفيروس وتسبّب بؤرًا جديدة. ولأنّ الحمّى القلاعية لا يمكن تمييزها بالعين عن أمراض حويصلية أخرى، تؤكّد المنظّمة أنّ تأكيد أيّ حالة مشتبهة في المختبر أمر عاجل.
لا دواء للفيروس: ماذا يعني «العلاج» هنا؟
يذكر CFSPH أنّه لا يوجد علاج نوعي للحمّى القلاعية غير الرعاية الداعمة. والرعاية الداعمة كما تصفها المنظّمة العالمية لصحّة الحيوان بسيطة: ضع الحيوانات المريضة في الظلّ على أرض جافّة، وراقبها بانتظام، وقدّم لها علفًا طريًّا وماءً نظيفًا، فالحيوان يمتنع عن الأكل لأنّ فمه يؤلمه لا لأنّه شبعان.
أمّا المضادات الحيوية فلا تفعل شيئًا للفيروس نفسه. لكنّ البثور المتفجّرة جروح مفتوحة قد تصيبها عدوى بكتيرية ثانوية كما تنبّه المنظّمة، وهنا يقرّر الطبيب البيطري — بعد الفحص — إن كان الحيوان يحتاج مضادًّا حيويًّا وأيّه. حقن القطيع كلّه بالمضاد «احتياطًا» لا يوقف الوباء، ويُضيف بقايا في الحليب واللحم ويغذّي المقاومة.
ماذا تفعل عند ظهور البثور؟
تلخّص المنظّمة العالمية لصحّة الحيوان خطّة التصرّف عند الاشتباه في الحمّى القلاعية في خطوات يستطيع كلّ مربٍّ تنفيذها، ونضيف إليها ما توصي به منظّمة الأغذية والزراعة:
- أبلغ الخدمات البيطرية المحلّية فورًا عن الحالة المشتبهة، فالتأكيد المخبري وتتبّع البؤرة لا يتمّان من دونها.
- اعزل الحيوانات المريضة عن باقي القطيع بالربط أو السياج أو حاجز طبيعي، واجعل فحصها لمختصّ بصحّة الحيوان.
- أوقف كلّ حركة للحيوانات وكلّ رعي مشترك، ولا تبِع ولا تشترِ أيّ حيوان حتّى تنحسر البؤرة.
- لا تتشارك أدوات المزرعة والحظيرة مع الجيران.
- نظّف وعقّم بانتظام كلّ الأماكن والمواد الملوّثة: الأدوات والمركبات والملابس. ومن المطهّرات التي يذكر CFSPH فعاليتها ضدّ الفيروس هيدروكسيد الصوديوم وكربونات الصوديوم وبعض الأحماض كحمض الستريك وهيبوكلوريت الصوديوم، والتركيز ومدّة التلامس تحدّدهما نشرة المنتج والطبيب.
- تخلّص بأمان من الحيوانات النافقة وفرشتها وروثها وما تلوّث من منتجاتها.
وانتبه إلى الطرق غير المرئية: تعدّ المنظّمة الحليبَ والعلف والتبن والماء والملابس والأحذية والمعدّات والمركبات من وسائل نقل الفيروس، وتنصح منظّمة الأغذية والزراعة بمنع الأشخاص والمركبات والمواد التي قد تكون ملوّثة من التنقّل بين المزارع. ويذكر CFSPH أنّ من خالط حيوانات مصابة قد يُطلب منه الابتعاد عن الحيوانات السليمة مدّة من الوقت مع تطهير ملابسه. أمّا الإنسان نفسه فالمرض لا ينتقل إليه بسهولة، وليس خطرًا على الصحّة العامّة بحسب المنظّمة.
الوقاية قبل أن يصل
- اشترِ من مصادر موثوقة، وتجنّب إدخال حيوانات مجهولة المصدر كما توصي منظّمة الأغذية والزراعة.
- تجنّب خلط شحنات الحيوانات المختلفة أثناء النقل وفي الأسواق، وتنصح منظّمة الأغذية والزراعة بتنظيف الأسواق والمركبات ونقاط النقل وإفراغها جيّدًا بين أيّام البيع، مع أيّام راحة.
- لقّح ضمن البرنامج الرسمي وباللقاح الذي تحدّده الخدمات البيطرية للنمط المنتشر. فالمنظّمة العالمية لصحّة الحيوان تشترط لنجاح حملات التلقيح تغطية لا تقلّ عن 80% من الحيوانات المستهدفة، وإنجاز الحملة في أقصر وقت، ومراعاة تداخل مناعة الأمّ عند تحصين الصغار، وإعطاء الجرعة الصحيحة بالطريق الصحيح، وأن يكون اللقاح معطَّلًا لا حيًّا.
- راقب قطيعك يوميًّا، وأبلغ عن أيّ اشتباه مبكّرًا؛ فالمنظّمة تعدّ أنظمة الكشف المبكّر والإنذار من أولى خطوات مكافحة المرض.
قرار التلقيح ليس قرارك وحدك
تنصّ المنظّمة العالمية لصحّة الحيوان على أنّ قرار استخدام التلقيح ضدّ الحمّى القلاعية يعود إلى السلطات الوطنية، وتؤكّد منظّمة الأغذية والزراعة أنّ اللقاح يجب أن يطابق السلالات الحقلية ويُعطى وفق تعليمات الشركة المصنّعة. لقاح يُشترى من السوق بلا معرفة نمطه قد يمنحك اطمئنانًا كاذبًا لا مناعة.
المضاد الحيوي لا يعالج الحمّى القلاعية، واستعماله بلا حاجة له ثمن يدفعه القطيع لاحقًا. هذا المقال يشرح لماذا.
اقرأ: كيف تُصنع المقاومة في المزرعة