التهاب الضرع هو التهاب الغدّة اللبنية، وسببه في الغالب الأعمّ بكتيريا تدخل عبر قناة الحلمة. وهو أكثر أمراض أبقار الحليب انتشارًا وأشدّها أثرًا اقتصاديًّا، لأنّه يضرب في ثلاث جهات معًا: كمّية الحليب، وجودته، ونسبة الأبقار التي تُستبعد من القطيع قبل أوانها.
شكلان للمرض، أحدهما لا تراه
الشكل السريري ظاهر: الحليب يتغيّر (تكتّلات، تغيّر لون، ماء)، والربع المصاب قد يكون ساخنًا متورّمًا مؤلمًا، وقد ترتفع حرارة البقرة وتفقد شهيّتها في الحالات الشديدة. أمّا الشكل تحت السريري فالحليب فيه طبيعي المظهر والضرع طبيعي الملمس، ومع ذلك فالالتهاب قائم والإنتاج ينخفض بصمت. هذا الشكل الخفيّ هو الأوسع انتشارًا وهو مصدر أكبر الخسائر في معظم القطعان.
لماذا يهمّ التمييز؟
الحالة السريرية تُلاحَظ فتُعالَج. الحالة تحت السريرية لا تُلاحَظ، فتبقى البقرة مصدر عدوى لبقيّة القطيع أثناء الحلابة شهورًا. لذلك لا يكفي علاج ما تراه؛ لا بدّ من برنامج فحص دوري يكشف ما لا تراه.
من أين تأتي العدوى؟
تُصنَّف مسبّبات التهاب الضرع عمليًّا في مجموعتين، ولكل مجموعة استراتيجية وقاية مختلفة تمامًا:
- مسبّبات مُعدية تنتقل من بقرة إلى بقرة أثناء الحلابة عبر اليدين وكؤوس الحلّابة والمناشف المشتركة — وأشهرها المكوّرات العنقودية الذهبية (Staphylococcus aureus) والمكوّرات السبحية المُعدية للضرع (Streptococcus agalactiae). السيطرة عليها تكون بنظافة الحلابة وتغطيس الحلمات وترتيب الحلابة وعزل المصابات.
- مسبّبات بيئية تعيش في الفرشة والروث والطين والماء الراكد — وأشهرها الإشريكية القولونية (E. coli) والمكوّرات السبحية الأخرى. السيطرة عليها تكون بجفاف مكان الرقاد ونظافته وتهويته، لا بالمضادات الحيوية.
التشخيص قبل العلاج
الخطوة الأولى في كل حلابة هي سحب أوّل دفقات من كل حلمة في كوب فحص أسود؛ التكتّلات والخيوط تظهر عليه بوضوح قبل أن يتغيّر شكل الحليب في الخزّان. أمّا الحالات تحت السريرية فتُكشف بفحص جانب الحلابة الذي يُقدّر عدد الخلايا الجسمية، وبمتابعة عدد الخلايا الجسمية في تقارير الخزّان وسجلّات كل بقرة.
لكنّ الفحص السريري لا يقول لك ما هو الجرثوم. زراعة عيّنة حليب من الربع المصاب واختبار الحساسية هما ما يحدّد إن كان المضاد الحيوي مفيدًا أصلًا وأيّها يُختار. من غير زراعة، يكون اختيار الدواء تخمينًا — وهو أحد أكبر أسباب فشل العلاج ونشوء المقاومة.
كيف تُؤخذ عيّنة صالحة؟
نظّف طرف الحلمة ومسحه بالكحول واتركه يجفّ، تخلّص من أوّل دفقتين، ثمّ املأ الأنبوب من الربع المصاب وحده وأغلقه فورًا وبرّده. العيّنة الملوّثة تُعطي نتيجة زراعة مضلّلة تقود إلى علاج خاطئ.
العلاج: متى ينفع وكيف يُعطى
العلاج المعتمَد للحالات البكتيرية هو المضادات الحيوية المرخّصة للحقن داخل الضرع، تُعطى عبر قناة الحلمة بالجرعة والمدّة المكتوبتين في النشرة. وفي الحالات الشديدة التي تصاحبها أعراض عامّة يضيف الطبيب البيطري علاجًا جهازيًّا وسوائل ومضادّات التهاب غير ستيرويدية بحسب تقديره.
لكن ليس كل التهاب ضرع يستجيب للمضاد الحيوي. بعض الحالات — وخاصّة المزمنة منها بالمكوّرات العنقودية الذهبية — تُشفى بنسب منخفضة مهما طال العلاج، لأنّ الجرثوم يتحصّن داخل نسيج الضرع بعيدًا عن الدواء. وبعض الحالات البيئية الخفيفة تُشفى ذاتيًّا. ولهذا صار القرار العلاجي يُبنى على نتيجة الزراعة وعمر البقرة وسجلّها لا على العادة.
علاج فترة الجفاف
تُعطى مستحضرات خاصّة بفترة الجفاف عند التجفيف بعد آخر حلابة؛ هدفها إنهاء العدوى المتراكمة خلال موسم الحليب ومنع انتقالها إلى الموسم التالي. وقد اتّجهت الممارسة الحديثة إلى «التجفيف الانتقائي»: يُعالَج بالمضاد الحيوي من ثبتت إصابته أو اشتُبه بها فقط، ويُكتفى للباقيات بسادّة الحلمة الداخلية — وهذا يقلّل استهلاك المضادات الحيوية في المزرعة تقليلًا كبيرًا.
فترة سحب الحليب: القاعدة التي لا تُخالف
كل مستحضر مرخّص لعلاج الضرع مكتوب على نشرته فترة سحب للحليب وأخرى للّحم. فترة سحب الحليب تُحسب من آخر جرعة أُعطيت، لا من أوّلها، وتُقاس بعدد الحلبات أو الساعات كما تنصّ النشرة بالضبط. حليب هذه الفترة يُفصل ويُتلَف ولا يدخل خزّان التبريد ولا يُطعَم للعجول المُعدّة للبيع.
أربع حالات تُطيل فترة السحب عمّا في النشرة
زيادة الجرعة، أو زيادة عدد الأنابيب، أو إطالة مدّة العلاج، أو استخدام مستحضر غير مرخّص لأبقار الحليب — كلٌّ منها استخدام خارج النشرة يُبطل فترة السحب المكتوبة. في هذه الحالات تُحدَّد فترة سحب مُمَدّدة من الطبيب البيطري بالرجوع إلى مصادر مختصّة بالمتبقّيات، ولا تُقدَّر بالخبرة الشخصية إطلاقًا.
وتذكّر أنّ الربع المعالَج ليس معزولًا عن الضرع كلّه في نظر المختبر: حليب الأرباع الأربعة يختلط في الخزّان، وكمّية صغيرة من حليب بقرة واحدة تكفي لتلويث خزّان القطيع كلّه وردّ الشحنة. الخسارة الحقيقية ليست حليب بقرة، بل حليب مزرعة.
الوقاية تسبق كل ذلك
- نظّف الحلمات وجفّفها بمنشفة مستقلّة لكل بقرة قبل تركيب الكؤوس؛ المنشفة المشتركة ناقل عدوى ممتاز.
- غطّس الحلمات بمطهّر معتمد بعد كل حلابة مباشرة، فقناة الحلمة تبقى مفتوحة نحو نصف ساعة بعدها.
- امنع البقرة من الرقاد بعد الحلابة مباشرة بتقديم العلف، حتى تُغلق قناة الحلمة قبل ملامسة الفرشة.
- اضبط صيانة آلة الحلابة ومستوى التفريغ ونبضاتها؛ الآلة المختلّة تُؤذي طرف الحلمة وتفتح باب العدوى.
- احلب المصابات في النهاية، أو خصّص لهنّ وحدة حلابة مستقلّة.
- أبقِ الفرشة جافّة نظيفة مُتجدّدة؛ فهذه أفعل وسيلة ضدّ المسبّبات البيئية.
تحقّق من فترة سحب الحليب واللحم للمادّة الفعّالة التي استخدمتها قبل إعادة الحليب إلى الخزّان.
احسب فترة السحب